أحمد الشرع بين نيران السويداء وغارات إسرائيل: رسائل مزدوجة للداخل والخارج

خاص – نبض الشام
في مشهد سياسي وعسكري معقّد، ألقى الرئيس السوري ، أحمد الشرع، خطابين متتاليين في أعقاب أحداث دامية شهدتها محافظة السويداء، تخللها تدخل إسرائيلي مباشر، واشتباكات عنيفة بين فصائل محلية وقوات حكومية، إضافة إلى تصاعد التوترات العشائرية. جاءت تصريحات الشرع لتؤكد على دور الدولة، وتحذر من محاولات الخارج لزرع الفوضى، في وقت بدت فيه دمشق تحاول تثبيت معادلة جديدة في مواجهة تحديات داخلية وخارجية متشابكة.
السويداء على صفيح ساخن
اندلعت المواجهات في السويداء بعد حوادث اعتداء وسرقة استهدفت مدنيين، ما دفع وزارتي الدفاع والداخلية للتدخل. تطورت الاشتباكات لتشمل مواجهات مباشرة بين القوات الحكومية وفصائل محلية مرتبطة بشيخ عقل الطائفة الدرزية، حكمت الهجري. ورافقها تدخل إسرائيلي نوعي تمثل في قصف مواقع حكومية، أبرزها مبنى الأركان في دمشق والقصر الرئاسي، ما أدى إلى انسحاب حكومي وتسليم الملف الأمني للفصائل المحلية.
خطابان… رسائل في اتجاهين
في خطابه الأول في 17 يوليو، تحدث أحمد الشرع عن أسباب الانسحاب من السويداء، محذراً من “الفتن” ومحاولات إسرائيل لتمزيق وحدة البلاد. وصف ما جرى بأنه “مؤامرة خارجية”، مؤكداً أن تدخل الدولة كان لتجنب انزلاق البلاد إلى حرب أهلية موسعة.
أما خطابه الثاني، في 19 يوليو، فوصف فيه الأحداث بـ”المنعطف الخطير”، محذراً من طموحات انفصالية لقوى محلية استقوت بالخارج، واعتبر أن ما جرى في السويداء كشف عن أهمية الدولة في حفظ الأمن ومنع الفوضى، مع الإشادة بدور العشائر في مواجهة الانفلات.
التدخل الإسرائيلي العلني
طلب الهجري وطريف دعماً إسرائيلياً علنياً ضد النظام، وهو ما استجابت له تل أبيب سريعاً. القصف الإسرائيلي على مبانٍ حكومية في دمشق، دفع الشرع للرد بأن إسرائيل تسعى لتفكيك سوريا، واصفاً إياها بـ”الكيان”، في رسالة ضمنية ترفض أي تطبيع أو حوار مباشر.
الباحث سلام الكواكبي رأى في هذه اللغة مؤشراً لرفض أي “تطبيع مجاني”، فيما اعتبر الصحفي درويش خليفة أن استخدام مصطلح “الكيان” يوحي بإمكانية تجميد أي مسار تفاوضي مع تل أبيب.
رهانات تل أبيب على التقسيم
اعتبر المحلل السياسي حسن النيفي أن إسرائيل استغلت أحداث السويداء لإرسال رسالة إلى القيادة السورية الجديدة، مفادها أنها قادرة على منع قيام الدولة السورية مجددًا ما لم تخضع لشروطها، ومنها تحويل مناطق الجنوب إلى منطقة عازلة منزوعة السلاح، وتحويل السكان المحليين إلى “حرس حدود” لحماية أمنها.
الدروز في خطاب الشرع: وحدة النسيج لا الانفصال
في خطابه الأول، توجه الشرع للدروز مؤكداً أنهم جزء أصيل من النسيج السوري، رافضاً أي محاولة لجرّهم نحو تقسيم أو ارتهان خارجي. وفي خطابه الثاني، فصل بين ممارسات مجموعات مسلحة مرتبطة بالهجري، وبين الطائفة الدرزية بأكملها، في محاولة لاحتواء التصعيد وطمأنة الداخل.
الباحث الكواكبي رأى أن الشرع لم يُظهر ما يكفي من التعاطف مع ضحايا السويداء، فيما رأى درويش خليفة أن الرئيس السوري حذّر الدروز من الاعتماد على إسرائيل، التي قد تنقلب عليهم في أي لحظة.
الرد العشائري والامتداد الإقليمي
الرد الانتقامي من الفصائل على عشائر البدو في السويداء، أشعل “فزعة” عشائرية مضادة على امتداد مناطق سوريا، وأدى ذلك إلى مواجهات عنيفة ساهمت في خلق بيئة ضاغطة دفعت نحو وقف إطلاق النار، بدفع أمريكي وإقليمي.
الشرع أشاد بموقف العشائر واعتبرها “حائط صد” ضد الأخطار، مؤكداً في الوقت نفسه أن دورها لا يلغي سلطة الدولة.
رد إسرائيل جاء على لسان وزير خارجيتها جدعون ساعر، الذي اعتبر دعم الشرع للعشائر “انحيازاً للجهاديين”، وحمّل النظام السوري مسؤولية الاعتداء على الأقلية الدرزية.
دور الوساطات الدولية
أعاد الشرع في خطابيه التذكير بالدور الحاسم للوساطات الأمريكية والعربية والتركية في وقف التصعيد. رسالة حملت أبعاداً دولية، مفادها أن العدوان الإسرائيلي لا يستهدف سوريا فقط، بل أمن المنطقة، وأن وقف هذا العدوان مسؤولية دولية لا يمكن تجاهلها.
ويرى النيفي أن الشرع قدّم “شكراً ضمنياً” لتلك الدول، وأوحى بأن إنهاء الهجوم الإسرائيلي جاء بضغط أمريكي مباشر.
في خطابين حملا ملامح الأزمة والرد، حاول أحمد الشرع ترسيخ صورة الدولة كضامن للاستقرار، في مواجهة انقسامات داخلية وتهديدات خارجية. وبينما أعاد التأكيد على الثوابت الوطنية ورفض الهيمنة الإسرائيلية، وجّه رسائل محسوبة إلى الداخل السوري والمجتمع الدولي. ومع تصاعد التوتر في الجنوب، يبدو أن المرحلة المقبلة مرهونة بمدى قدرة دمشق على موازنة الضغوط الإقليمية، وحفظ وحدة البلاد دون الانزلاق مجدداً نحو الفوضى.
“متابعة أسرة تحرير نبض الشام”




